الشيخ المحمودي

110

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ . وقال تعالى في الآية 16 و 19 من سورة الرعد : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ، أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ وقال تعالى في الآية 18 ، من سورة السجدة : أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الكريمة . والسنن الصحيحة أيضا متواترة في ذلك المعنى ، ووضوحها وظهورها يغني عن إيرادها . إن قيل : إنّ أدلة العجب غير قاصرة عن شمولها للقسمين الأخيرين ، فكيف حكمت بخروجهما عن العجب ؟ قلت : إنّ الأدلة ناظرة إلى بعض سواد النّاس الّذين يصلّون ركعتين وينتظرون الوحي ، ويعملون ببعض الواجبات ويرون وصولهم إلى الكمال بأقصى الغايات ، وهؤلاء لا ينفك عجبهم عن التكبر والتنمّر ، فالأخذ بإطلاق الأدلة لإدخال من لم يكن على هذه الصفة غير سائغ عند المتعلّمين ، وقد قيدنا خروج القسمين عن العجب بما إذا خلا عن تضييع الحقوق ، والخروج عن زي العبودية والانقياد للّه تعالى ، وعن الغنوّ والعلوّ على عباد اللّه . فإن قيل : هذا صرف فرض ، ومجرد ملاحظة لمفهوم العجب من حيث هو ، ولو نظرنا إلى مفهوم العجب بلحاظ تحققه ووجوده في الخارج - كما إنه بلحاظ خارجيته منهيّ عنه ومورد للتحذير - فهو غير منفك عن التقصير وتضييع الحقوق . قلنا : الأمر كذلك في جل المكلفين ، وأمّا العارفون باللّه المستولون على أنفسهم وشهواتهم ، والعالمون بالحقائق ، المميزون الداء من الدواء ، والصواب من الخطأ ، الآخذون بحكم العقل والشريعة ، المواظبون دائما على استقامة الطريقة ، فهم مبرأون عن التقصير في حقّ الخالق والخليقة ، فمهما أدركوا عظمة نفوسهم ، ورأوا أنهم أشرف من غيرهم بحسب إبداع اللّه ، أو بحسب حسن اختيارهم